محمد بن الطيب الباقلاني
276
إعجاز القرآن
من التشبيهات الجارية في الاشعار ما لا يخفى عليك ، وأنت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر ، وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع غيره ، واتفق له ما لم يتفق لغيره من الشعراء . وكذلك كثير من وجوه البلاغة ، قد بينا أن تعلمها يمكن ، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منها دون غيره . فإن كان إنما يعنى هذا " القائل " أنه إذا أتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية ، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض ، وينتهي / منه إلى متصرفاته - : على أتم البلاغة وأبدع البراعة - فهذا مما لا نأباه ، بل نقول به . وإنما ننكر أن يقول قائل : إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الاعجاز من غير أن يقارنه ما يصل به [ من ] ( 1 ) الكلام ويفضي إليه ، مثل ما يقول ( 2 ) : إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز ، وإن التشبيه معجز ، وإن التجنيس معجز ، والمطابقة بنفسها معجزة . فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه ، فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها - فإني لا أدفع ذلك وأصححه ، ولكن لا أدعى إعجازها لموضع التشبيه . وصاحب " المقالة " التي حكيناها ، أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه ، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الاعجاز يتعلق به كالبيان ، وذلك لا يختص بجنس من المبين ( 3 ) دون جنس ، ولذلك قال : ( هذا بيان للناس ) ( 4 ) وقال : ( تبيانا لكل شئ ) ( 5 ) وقال : ( بلسان عربي مبين ) ( 6 ) فكرر في مواضع [ جل ] ( 7 ) ذكره : أنه مبين . / فالقرآن أعلى منازل البيان ، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه ، وطرقه وأبوابه : من تعديل النظم وسلامته ( 8 ) ، وحسنه وبهجته ، وحسن موقعه في السمع ، وسهولته على اللسان ، ووقوعه في النفس موقع القبول ، وتصوره تصور المشاهد ،
--> ( 1 ) الزيادة من م ( 2 ) م : " ما نقول " ( 3 ) م : " بجنس دون جنس " ( 4 ) سورة آل عمران : 138 ( 5 ) سورة النحل : 89 ( 6 ) سورة الشعراء : 195 ( 7 ) الزيادة من م ( 8 ) م " وسلاسته "